محمد باقر الملكي الميانجي
59
مناهج البيان في تفسير القرآن
اللّه من سنخ كلامهم ، وفصاحته أيضا من سنخ فصاحتهم ، وأدلّة الباب من الآيات والروايات تتأبّى عن ذلك ، إذ مفادها أنّ اللّه تعالى ليس كمثله شيء في جميع الوجوه ، وأنّ كلامه تعالى لا يشابه كلام البشر لا أن يكون كلامه تعالى أعلى من كلام مخلوقاته على وجه التشكيك ، بأن يبلغ كلامه تعالى حدّ الإعجاز ، بل كلامه تعالى لا يقاس بكلام غيره كما أنّ ذاته لا تقاس بشيء من مخلوقاته . نعم ، لا إشكال في القول بفصاحة القرآن بالمعنى اللّغوي وبلاغته . فإنّ الفصاحة في اللّغة ، الإبانة والخلوص والظهور والتكلّم بالعربيّة . قال في لسان العرب 2 / 544 : فصح الأعجميّ - بالضمّ - فصاحة : تكلّم بالعربيّة وفهم عنه . . . والفصيح في اللّغة : المنطلق اللّسان في القول ، الّذي يعرف جيّد الكلام من رديئه . . . وأفصحت الشاة والناقة : خلص لبنهما . . . وأفصح الصبح : بدا ضوؤه واستبان . وكلّ ما وضح ، فقد أفصح . وكلّ واضح : مفصح . وفيه أيضا 8 / 420 : والبلاغة : الفصاحة . والبلغ والبلغ : البليغ من الرجال . ورجل بليغ وبلغ وبلغ : حسن الكلام فصيحه يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه . فلا كلام في فصاحة القرآن وبلاغته حدّ الإعجاز التامّ بالمعنى اللّغويّ . وأمّا وجه تحدّي القرآن وإعجازه فالواجب استنباطه من لسان الكتاب والسنّة وتاريخ نزول القرآن وما عارض به النبي صلّى اللّه عليه وآله المكابرين والمعاندين . في السّيرة النبويّة لابن هشام 1 / 288 قال : ثمّ إنّ الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش ، وكان ذا سنّ فيهم ، وقد حضر الموسم . فقال لهم : يا معشر قريش ، إنّه قد حضر هذا الموسم وإنّ وفود العرب ستقدم عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ، ولا تختلفوا ، فيكذّب بعضكم بعضا ، ويردّ قولكم بعضه بعضا . قالوا : فأنت - يا أبا عبد شمس - فقل وأقم لنا رأيا نقل به . قال : بل أنتم فقولوا ، أسمع . قالوا : نقول : كاهن . قال : لا واللّه ، ما هو بكاهن . لقد رأينا الكهّان ؛ فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه .